محمد بن جرير الطبري
276
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
انك لا تجزع من الموت ، فانا أدعك فابرا من صاحبك ، فقال : ما لي لا اجزع وانا أرى قبرا محفورا ، وكفنا منشورا ، وسيفا مشهورا ، وانى والله ان جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب فقتله ، وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا سته فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي : ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين ، فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته ، فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما ، فبعث إليهم ان ائتوني بهما . فلما دخلا عليه قال الخثعمي : الله الله يا معاوية ، فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ، ثم مسؤول عما أردت بقتلنا ، وفيم سفكت دماءنا ، فقال معاوية : ما تقول في علي ؟ قال : أقول فيه قولك ، قال : أتبرأ من دين على الذي كان يدين الله به ؟ فسكت ، وكره معاوية ان يجيبه وقام شمر بن عبد الله من بنى قحافة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي ابن عمى ، قال : هو لك ، غير انى حابسه شهرا ، فكان يرسل اليه بين كل يومين فيكلمه ، وقال له : انى لانفس بك على العراق ان يكون فيهم مثلك . ثم إن شمرا عاوده فيه الكلام ، فقال : نمرك على هبه ابن عمك ، فدعاه فخلى سبيله على الا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان ، فقال : تخير اى بلاد العرب أحب إليك ان أسيرك إليها ، فاختار الموصل ، فكان يقول : لو قد مات معاوية قدمت المصر ، فمات قبل معاوية بشهر . ثم اقبل على عبد الرحمن العنزي فقال : ايه يا أخا ربيعه ! ما قولك في علي ؟ قال : دعني ولا تسألني فإنه خير لك ، قال : والله لا أدعك حتى تخبرني عنه ، قال : اشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا ، ومن الأمرين بالحق ، والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس ، قال : فما قولك